الخط:
مقالة نقدية

العزوف الدراسي

تشريح نظام يطحن الإنسان

٠١ المصطلح الملوّث بالإدانة

عندما نتحدث عن “العزوف الدراسي” في سياقنا المعاصر، فإن أول ما يجب أن نضعه تحت مجهر النقد هو المصطلح ذاته. كلمة “عزوف” تحمل في طياتها إدانة أخلاقية مسبقة للطالب؛ إنها تصفه بالكسل واللامبالاة وقصر النظر. هذه النظرة السطحية التي تتبناها الأنظمة التعليمية والمؤسسات الإعلامية التابعة لها تتجاهل عن عمد حقيقة أعمق بكثير: ما نراه اليوم ليس عزوفاً طفولياً عن أداء الواجب، بل هو تمرد وجودي — أو لنكن أكثر دقة — إنه إضراب فطري من النفس البشرية ضد نظام لم يعد مصمماً للإنسان، بل لطحنه.

لقد عفا الزمن على الحديث النمطي عن “الأطفال المشاغبين” الذين يهجرون مقاعد الدراسة. الظاهرة الجديدة والأكثر إثارة للقلق تتجسد في شخصية الراشد الواعي المُحبَط. إنه طالب الجامعة الذي يفهم قواعد اللعبة جيداً، ويمتلك من الوعي ما يكفيه ليدرك أن الجهد المبذول لا يتناسب مع الأفق المسدود، وأن الوعود البراقة للشهادة قد تحولت إلى سراب. هذا الطالب لا يهرب من العلم، بل يهرب من نظام المصفاة.

في كليات الهندسة والطب والسنوات التحضيرية للمدارس العليا، لا يُنظر إلى المناهج باعتبارها أدوات لبناء العقل، بل كأدوات للتعذيب تهدف إلى غربلة الأعداد الهائلة.

الهدف الخفي ليس تعليم الميكانيكا أو التحليل، بل تصفية ثمانين بالمئة من الطلاب؛ لا لأنهم عاجزون، بل لأن سوق العمل لا يحتاجهم، ولأن الدولة لا تطلب سوى تلك النخبة الضيقة التي ستشغل مناصب “تخصصات القمة”. أما البقية، فعليهم أن يتحملوا عناء الطريق كله، ثم يتفرقوا في وديان البطالة والمهن الهامشية، بعد أن يكون النظام قد استنزف طاقاتهم وأحلامهم.

✦ ✦ ✦

٠٢ الشهادة كسلعة فاسدة

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الشهادة كسلعة فاسدة” ليس ضرباً من التشاؤم، بل تشخيصاً واقعياً لاقتصاد سياسي معطوب. لقد تحولت الجامعة، في كثير من الدول التي تعاني من أزمات هيكلية، إلى ما يمكن تسميته موقف السيارات الاجتماعي (Social Parking Lot)؛ مجرد مكان لركن الشباب سنوات إضافية، لإلهائهم عن الشارع، وتأجيل لحظة الصدام مع حقيقة أنه لا توجد وظائف تنتظرهم.

النظام يمارس صناعة الأمل الزائف؛ يمنح الشباب ورقة تحمل اسم “ليسانس” أو “ماستر” ويقول لهم: “ها هو مستقبلكم”، وهو في الوقت ذاته يعلم تماماً أن هذه الورقة لم تعد قادرة على ضمان قوت اليوم، ناهيك عن حياة كريمة. إنه غدر زمني محكم؛ يُطلب من الشاب أن يضحي بأثمن سنوات عمره في سبيل وعود لا تُنفَّذ.

✦ ✦ ✦

٠٣ الفلسفة التي بُني عليها النظام

ولكي نفهم لماذا يستمر هذا النظام رغم فشله الواضح، يجب أن نعود إلى الأسس الفلسفية التي قام عليها. إن نموذج “الآلة المنتجة” الذي يحكم مؤسساتنا التعليمية لم يأت من فراغ، بل هو صدى مشوّه للفلسفة البروتستانتية وأخلاق العمل الكالفينية القائمة على مبدأ: “العمل عبادة، والنجاح دليل رضا الرب، والفشل دليل الخطيئة”. في هذا الإطار، لم يعد الطالب إنساناً له حاجات روحية وجسدية، بل أصبح آلة منتجة يجب أن تعمل بأقصى طاقتها دون توقف.

هذا النموذج يرى في النوم العميق ترفاً، وفي الصلاة في وقتها مع الجماعة مضيعةً للوقت، وفي الحاجة إلى السكن العاطفي والجنسي في إطار الزواج نزوةً يمكن تأجيلها إلى ما بعد الثلاثين. وهنا تكمن الطامة الكبرى.

في هذا العمر يكون الشاب في ذروة رجولته البيولوجية؛ فطرته تأمره ببناء بيت، وحمل المسؤولية، والسكن إلى زوجة تكون له سكناً حقيقياً. لكن النظام يأتي ليقول له ببرودة تامة: الزواج انتحار مهني. كيف لطالب في السنة التحضيرية أن يتزوج وهو محبوس في مدرج من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً، ثم يسهر الليل في حل المعادلات التفاضلية؟ النظام يعلنها صراحة: لن أعطيك وقتاً للصلاة، ولا للرياضة، ولا للنوم، فهل تظن أنني سأعطيك وقتاً للزوجة أو الأسرة؟

إنه نظام يدفن شبابك وذروة رجولتك في سنوات الجلوس على الكرسي، ليقدمك للمجتمع بعد سنوات وأنت جسد منهك وروح متبلدة، قد خمدت جذوة العاطفة والفحولة بداخلك.

✦ ✦ ✦

٠٤ الاغتصاب الزمني للعبادة

إذا كان النظام يمارس هذا الغدر الزمني بحق رجولة الشاب وتطلعاته الأسرية، فإنه يمارس اغتيالاً أشد قسوة وأكثر خفاءً في حق روحه، عبر ما يمكن تسميته بدقة “الاغتصاب الزمني للعبادة”. الناظر في جدول أي طالب في التعليم العلماني يكتشف سريعاً أن هذا الجدول لم يُصمَّم لإرهاق الجسد فحسب، بل هو مصمَّم أيضاً لاجتثاث الشعائر من جذورها.

انظر إلى مواعيد الدروس: حصة “التحليل” الرياضي تمتد بلا رحمة فوق أذان الظهر، وحصة “المعلوماتية” تبتلع وقت العصر كاملاً. ثم ينتهي بك المطاف في قطار العودة أو زحمة المرور وقت الغروب، فيذوي صوت “حي على الصلاة” في أذنك. وتتحول الصلاة التي وصفها الله بأنها “كِتَاباً مَوْقُوتاً” في وعيك المقهور إلى “كتاب مؤجَّل”، أو في أسوأ الأحوال “كتاب منسي”. إنك لا تفوت الصلاة عن كسل أو جحود، بل تُفصَل عنها رغماً عنك.

أنت في حالة صراع نفسي مرير: إن خرجت من المدرج لتتوضأ وتصلي فاتك شرح الأستاذ وخاطرت بمستقبلك، وإن جلست صابراً ضيّعت الأمانة الكبرى. هكذا يُخلق منك مخلوق ممزَّق؛ نصفه يريد أن ينجح في امتحان الدنيا، ونصفه يخشى السقوط في امتحان الآخرة.

إن القائمين على هذا النظام لا يجهلون أوقات الصلاة؛ يعرفونها جيداً، لكنهم ينطلقون من فلسفة فصل الدين عن الحياة العامة (Laïcité) في صيغتها المتطرفة. بالنسبة لهم، “الظهر” ليس وقت صلاة بل “Lunch Break”، و”العصر” ليس إلا “Afternoon Session”. حين يُفرض هذا القالب الزمني الغريب على مجتمع مسلم، فإن النتيجة ليست مجرد تغيير في العادات، بل عملية انتزاع روحي ممنهجة.

ومع مرور الوقت، يتوقف الألم — لا لأنك أصبحت أكثر التزاماً، بل لأنك دخلت في حالة من التبلّد الروحي. تبدأ في تبرير فوات الصلاة: “سأقضيها في البيت”، ثم تنسى القضاء. تبدأ في قبول فكرة أن الصلاة في المسجد “رفاهية” لا يملكها إلا العاطلون أو كبار السن. وعندما تبلغ هذه المرحلة، يكون النظام قد حقق هدفه الأسمى: لقد حوّلك إلى مواطن منفصل عن فطرته، قابل للبرمجة.

✦ ✦ ✦

٠٥ الاغتراب اللغوي

وغالباً ما يترافق هذا الانتزاع الروحي مع جريمة موازية لا تقل خطورة، ألا وهي الاغتراب اللغوي (Linguistic Alienation). إنك لا تفقد صلاتك فحسب، بل تفقد لغتك. إجبار طالب هندسة في بلد عربي على دراسة “تقنيات التعبير” باللغة الفرنسية، ومنح هذه المادة معاملاً (coefficient) يتجاوز معاملات تخصصه، ليس تطويراً لمهاراته. إنها سياسة استعمار ناعم؛ الهدف ليس تعليمه لغة موليير، بل زرع بذور الانهزام في عقله الباطن، لإنتاج رجل مهزوز الهوية: لا هو بالغربي الأصيل، ولا بالعربي المسلم الواثق.

الرجل الذي يُفصَل عن لغته الأم يُفصَل عن عواطفه الجوانية. حين يريد أن يغازل زوجته، أو يعاتب ابنه، أو يعبر عن غضبه، يجد معجمه الوجداني مشوهاً: ممزق بين كلمة “Je t’aime” المائعة التي لا تسمن ولا تغني من جوع عاطفي، وبين كلمة “أحبك” التي باتت تُشعره بالخجل وكأنها لغة “القدماء” لا “المتحضرين”. إنه عاجز عن أن يحب بلغته، عاجز عن تربية أبنائه على هوية واحدة راسخة. وهكذا تنتقل عدوى التشوه من جيل إلى جيل، وتواصل آلة الطحن البشري عملها بصمت.

✦ ✦ ✦

٠٦ الغريزة المكبوتة والقنبلة الموقوتة

ولا تكتمل الصورة دون الخوض في الوجه الأكثر انتهاكاً للفطرة: طريقة إدارة النظام للغريزة الجنسية لدى الطالب. النظام الذي يدّعي الحياد تجاه “الأخلاق الخاصة” يقوم في حقيقته على مبدأ التحفيز البصري المستمر مع الإخصاء العملي المتعمَّد. إنه يحوّل الحرم الجامعي إلى سوق للإغراء البصري، ثم يتوقع من الطالب المسلم أن ينهمك في حل المعادلات التفاضلية وكأنه كائن بلا هرمونات.

انظر إلى وضعه: في ذروة رجولته، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج”. لكن النظام يقول له بكل صفاقة: لا باءة لك، لا مال ولا وقت ولا اعتراف اجتماعي. ثم يضع أمامه في المدرج والمطعم الجامعي ومحطة القطار كل مغريات النظر. جسده يستجيب للفطرة، وعقله يبحث عن مخرج شرعي فلا يجد سوى جدار الكبت السميك.

الطاقة الجنسية ليست طاقة هامشية يمكن تجاهلها. إذا لم تجد مصرفها الطبيعي في الحلال، فإنها لا تتبخر بل تتحول إلى سموم في الجسد والنفس: احتقان مزمن، أرق، اضطراب في النوم. يصبح الطالب كالقنبلة الموقوتة؛ طاقته تبحث عن أي منفذ، وأقرب المنافذ هو الإباحية الرقمية التي تحوّل هذه الطاقة النبيلة إلى إدمان يقتل الإرادة، أو العلاقات الغرامية المحرمة التي لا تشبع بل تؤجج ناراً لا تنطفئ.

وهكذا ينجح النظام في إنتاج نموذجه المطلوب: المواطن الشبح. شاب في قمة عافيته الجسدية لكنه منهك روحياً. همه الوحيد إنهاء واجباته الدراسية ليلاً، والاستيقاظ لاهثاً للحاق بالقطار صباحاً. وهو بالضبط ما يطلبه الأساتذة حين ينصحون طلابهم بـ”وضع حياتهم على Pause”؛ أي تحويلهم إلى جثث متحركة تدرس الكيمياء العضوية على أمل أن تعود الروح إليها بعد خمس سنوات أو سبع.

✦ ✦ ✦

٠٧ الطالبة: الضحية المضاعفة

إذا كان الطالب يعاني من “القصف البصري” الذي يحوله إلى كتلة من الاحتقان، فإن الطالبة في هذا النظام المختلط تعيش مأساة من نوع آخر، أكثر تعقيداً وأبعد أثراً. إنها لا تتعرض فقط للإغراء أو التحرش، بل تتعرض لـإعادة برمجة وجدانية كاملة تُشوِّه فطرتها الأنثوية وتجعلها غير قادرة على الارتباط الصحي لاحقاً.

تأمّل ما يحدث للطالبة في فضاء الجامعة المختلط: تضحك مع زميلها في الصف، تتبادل معه أحاديث الاستراحة، قد تتطور الأمور إلى علاقة غرامية مفتوحة الحدود. ظاهرياً هي “تستمتع بشبابها”. لكن ما يجري في أعماق نفسها هو تفكيك صامت لمعنى “السكن” و”المودة” الذي فطرها الله عليه. كل عناق عابر، وكل كلمة إعجاب تُهمَس في أذنها، وكل موعد سري في ركن منزوٍ، يغرس في قلبها تجربة تعلّق مسموم: تعلّق بلا عقد ولا شهود ولا رجل يعلن مسؤوليته أمام العالم.

التأثير طويل المدى لهذا النمط مدمِّر. إنها تعتاد على دفقات من الاهتمام المكثف والمؤقت. فحين يأتيها لاحقاً الزوج الصالح الذي يريد أن يبني معها بيتاً على الحلال والاستقرار، تشعر بفراغ غريب؛ الزواج الحقيقي يبدو في منظورها “باهتاً خالياً من الشرارة”. لقد تحوّلت دون أن تدري إلى كائن يلهث خلف “البدايات” وعاجز عن احتمال “الاستمرار”.

ثم يأتي الجانب الأعمق: تحوّل “الحب” في عقلها الباطن إلى مرادف للقلق. في تلك العلاقات كانت تعيش في ترقب دائم: هل سيرد على رسالتي؟ هل سيتحدث مع غيري؟ هذا القلق المزمن يصبح “نكهة الحب” بالنسبة لها. حين تتزوج زواجاً مستقراً آمناً تشعر بالملل، بل بـ”انعدام الحب”، لأن نفسها قد أدمنت جرعات الأدرينالين التي كانت تأتيها مع الخوف من الفقدان.

هكذا ينجح النظام في إنتاج زوجين مثاليين لنموذج السوق: رجل منهك جسدياً محتقن نفسياً، وامرأة مدمنة على القلق العاطفي. إنهما غريبان تحت سقف واحد، عاجزان عن بناء أسرة متماسكة. لقد أتمّ النظام مهمته: قتل مؤسسة الزواج قبل أن تبدأ.

✦ ✦ ✦

٠٨ جاهلية التفاخر الحديثة: صنما الطب والهندسة

لا تكتفي آلة الطحن بما أحدثته في الفرد، بل تمتد لتعيد تشكيل وعي المجتمع بأكمله، وتُعرِّف “القيمة الإنسانية” وفق معيار واحد لا ثاني له: معيار الشهادة والمهنة. إنها عملية هندسة اجتماعية متكاملة تضخّم قيمة بعض الأعمال وتُحقِّر أخرى، وتجعل الأسر بأكملها رهينة وهمٍ لا يتحقق إلا للقلة.

والحق أن هذا التفاخر ليس جديداً في جوهره، بل هو الجاهلية ذاتها في حُلّة معاصرة. في الجاهلية القديمة كان الرجل يتفاخر بنسبه وعدد إبله وكثرة سيوفه، أما في الجاهلية الحديثة فأصبح يتفاخر بـ”ابني مهندس” و”ابني دكتور” و”معدّله تسعة عشر”. تغيّرت الأصنام، ولم تتغيّر العبادة.

انظر كيف نجح النظام العلماني، عبر عقود، في ترسيخ هذه الفكرة. والآلية في غاية الخبث: يربط النظام قيمة الإنسان بـصعوبة الامتحان لا بـنفع العمل. فطبيب الأسنان الذي يعالج تسوساً سطحياً “دكتور يُشار إليه بالبنان”، بينما النجار الماهر الذي يصنع أثاثاً لمئات البيوت لا يعدو كونه “صنايعي بسيط”. والحال أن الأمة تحتاج النجار قبل أن تحتاج طبيب الأسنان.

الهدف الاستعماري من هذه الهرمية الوهمية هو إفقار المجتمع من حرفييه ومنتجيه الحقيقيين، وتحويل الأمة إلى كتلة من الموظفين المستهلكين المعتمدين على الخارج في كل شيء، فلا يصنعون شيئاً بأنفسهم. والهدف الرأسمالي موازٍ له: إغراق السوق بأعداد هائلة من “الأطباء” و”المهندسين” لخفض أجورهم بفعل كثرة العرض، وتحويلهم إلى موظفين بـ”راتب العبد” في مستشفيات وشركات لا همّ لها إلا الربح.

✦ ✦ ✦

٠٩ البيت امتداداً للسجن: حين يصير الأهل أداةً للنظام

وهنا يأتي الدور الأكثر مأساويةً في هذه المسرحية: حين يتحول البيت من ملاذ إلى امتداد للسجن التعليمي. ما يحدث داخل جدران المنزل ليس مجرد طموح أبوي بريء، بل هو تلوّث عميق للعلاقة الأسرية بفيروس النظام العلماني ذاته. فعندما يتحول الأب والأم من “سكن ومودة” إلى “مُراقبَي أداء أكاديمي”، تقع المأساة الصامتة التي لا يراها أحد ولا يُفرد لها إحصاء.

الجذر النفسي لهذه الظاهرة أعمق مما يبدو. كثير من الآباء والأمهات لم يحققوا أحلامهم في شبابهم، فيحوّلون أبناءهم لا شعورياً إلى مشاريع تعويضية: نجاح الابن يصبح بلسماً لجراح فشل الأب القديم. وهكذا يتحول “الحب” إلى حب مشروط؛ الابن يتعلم مبكراً جداً أن قيمته عند والديه مرتبطة بالعلامة لا بوجوده. إن نجح فهو محبوب وموجود، وإن فشل فهو منبوذ ومحتقر. هذا يزرع في نفسه رهاب الفشل (Atychiphobia) الذي يلازمه طوال حياته، ويجعله عاجزاً عن المخاطرة المحسوبة أو الإبداع.

أما الأم تحديداً، فمأساتها مضاعفة لأنها ضحية وجلاد في آنٍ واحد. الأم فُطرت على أن تكون مصدر الأمان غير المشروط؛ فطرتها أن تحتضن ابنها إذا سقط وتنفض عنه التراب. لكن النظام يُعيد برمجتها لتحتضنه فقط إذا عاد حاملاً تقدير “ممتاز”. وهي ضحية قبل أن تكون جلاداً؛ فالمرأة في مجتمعنا كثيراً ما تُختزل قيمتها في “كونها أماً ناجحة”، فيصبح نجاح الابن شهادتها الوحيدة أمام المجتمع ورأس مالها الرمزي الذي تُقايض به نظرة الجارات. حين ترى صديقتها تتفاخر بأن ابنها “قُبِل في الطب”، لا يستيقظ فيها الطموح فحسب، بل تستيقظ غريزة البقاء الاجتماعي. فتعود إلى البيت لتسكب الزيت على نار التوتر، وتُحوِّل المنزل إلى ثكنة عسكرية.

البيت الذي كان المفترض أن يكون ملاذاً من ضغط الجامعة يصبح نسخةً أكثر قسوة منها. في الجامعة تواجه ورقة الامتحان، وفي البيت تواجه دموع أم خائفة وغضب أب خائب.

النتيجة الحتمية لهذا الضغط المزدوج — ضغط النظام وضغط الأسرة — هي تحويل حياة الطالب إلى جحيم من القلق الوجودي. إنه لم يعد يدرس ليتعلم، بل ليهرب من غضب أمه ونظرة الشفقة في أعين أقاربه ووصمة “الفشل” التي تلاحقه كظله. وهذا الضغط لا يتوقف حتى عند “الناجحين”: المهندس الذي أمضى سنواته يدرس فيزياء الكم يجد نفسه يطلب وظيفة براتب لا يكفي إيجار شقة، والطبيب الذي قضى شبابه ساهراً على كتب التشريح يجد نفسه في مستشفى مكتظ بمرتب هزيل وعليه ديون سنوات الدراسة. لقد اشترى الجميع الوهم ودفعوا ثمنه من صحتهم وشبابهم وديانتهم، وتحولوا جميعاً إلى قطعان تجري في سباق محموم لا خط نهاية له. وفي غمرة هذا اللهاث ينسون أن يسألوا السؤال الأهم: من صمّم هذا المضمار؟ ولمصلحة من ندور؟

✦ ✦ ✦

١٠ ثقافة الترس: الاغتصاب الرباعي

حين نجمع كل ما سبق في صورة واحدة، تتكشف لنا حقيقة مرعبة: النظام التعليمي في صيغته الراهنة لا يكتفي بتعليم ركيك أو مناهج متهالكة، بل هو يمارس ما يمكن وصفه بـالاغتصاب الرباعي الممنهج ضد الطالب: اغتصاب فكري، واغتصاب روحي، واغتصاب زمني، واغتصاب للهوية. والمحصلة النهائية لكل ذلك هي إنتاج كائن أُريد له أن يكون ترساً في آلة السوق: لا يفكر خارج المسار المرسوم، ولا يعترض على منظومة تستنزفه، ولا يسأل عمّن صمّم القفص الذي يسكنه.

أما الاغتصاب الفكري فيتجلى في إجبار الطالب على دراسة مواد لا تمتّ بصلة لمساره، لا بهدف توسيع مداركه كما يُدَّعى، بل لممارسة طقوس الإخضاع. النظام يقول للطالب ضمنياً: “أثبت أنك قادر على ابتلاع ما لا تطيقه، وتحمّل ما لا يعنيك، وإلا فلست جديراً بلقب مهندس أو طبيب.” إنها طقوس تنشئة لا تختلف في جوهرها عن طقوس الجماعات السرية: الألم والإذلال شرطٌ للانتماء. ومن هنا ينبثق الاغتراب الوظيفي (Functional Alienation)؛ فالطالب الواعي يُجري فصلاً قصدياً بين ذاته الحقيقية وذاته العاملة: جسد يجلس في المدرج ويكتب المعادلات، وروح موضوعة في ثلاجة نفسية تنتظر يوم “التحرر”. غير أن الروح — خلافاً للطعام — لا تخرج من التجميد سليمة؛ تصيبها “حروق التجميد” (Freezer Burn)، فيخرج كثير من خريجي الهندسة والطب وقد نسوا كيف يستمتعون بغروب الشمس، فيدخلون في اكتئاب ما بعد التخرج رغم نجاحهم المادي الظاهر.

أما الاغتصاب الزمني فقد رأيناه مجسّداً في الجداول العبثية التي تنتهك علم الأعصاب قبل أن تنتهك حقوق الإنسان. الدماغ البشري لا يستطيع التركيز العميق أكثر من أربع إلى خمس ساعات يومياً، وهذا حقيقة راسخة في أدبيات “العمل العميق” (Deep Work). فما الذي يحدث في الساعات العشر الباقية؟ يحضر الطالب بجسده بينما عقله في حالة شرود يقظ (Mind-Wandering)؛ يقرأ السطر عشرين مرة دون أن يفهمه. ويزداد الأمر سخرية حين تُوضع مادة تحليل رياضي — وهي تستوجب دماغاً جديداً — في الفترة التي تلي مباشرةً ساعتين من الفيزياء، ثم تعقبها حصة بعد الغداء حيث يكون الطالب في قمة غيبوبة ما بعد الأكل (Postprandial Somnolence). إنه تصميم هندسي فاشل بامتياز يُخالف كل مبادئ الهندسة البشرية (Ergonomics)، ولو قُدِّم مشروع تخرج بهذه المواصفات لسخر منه المصحح.

النظام يشبه من يزرع نبتة في تراب مسموم ثم يصرخ فيها: “لماذا لا تثمرين؟!” إنه يريد طالباً عبقرياً بينما يقتل كل شروط العبقرية: النوم العميق ممنوع بالسهر، والرياضة مهملة لضيق الوقت، والصحة النفسية معدومة بالكبت المزمن.

وأخطر هذه الاغتصابات أثراً على المدى البعيد هو الاغتصاب الهوياتي عبر هندسة المعاملات. حين تُعطى الرياضيات معاملاً (coefficient) سبعة، والفيزياء ستة، والعربية واحداً، لا يجري مجرد ترتيب للأولويات الأكاديمية؛ يجري إرسال رسالة لا واعية راسخة في عقل الطالب المسلم: لغتك التي تصلي بها وتحلم بها وتُحبّ بها تساوي عُشر لغة فولتير وديكارت. والأثر طويل المدى لهذه الرسالة أن الطالب، حين يصبح أستاذاً أو مديراً غداً، سيكون أول المطالبين بتدريس العلوم بالفرنسية، لأنه اغتُصب فكرياً حتى اعتقد أن العربية عاجزة. هكذا يُكمل كل جيل بيده تهميش لغة القرآن، ويُسلِّم المشعل لمن يأتي بعده لمواصلة المهمة.

والمفارقة المؤلمة في كل هذا أن الواعي يتألم أكثر من الجاهل. لو كان الطالب لا يرى قضبان قفصه لأمضى وقته بأريحية. لكن “الواعي المقهور” يرى كل شيء ويعجز عن التغيير، فتعمل أمعاؤه وضميره الحي على التهام نفسه. جسده يفرز الكورتيزول باستمرار — وهو هرمون التوتر المزمن — الذي يتلف بمرور الوقت مركز الذاكرة والإبداع في الدماغ (الحُصين). فتكون النتيجة الحتمية: طالب يكره المادة التي يدرسها، ويكره الجامعة التي ينتمي إليها، ويكره الحياة التي يحياها. ثم يُسمّى ذلك كله “عزوفاً”، وتُحمَّل التبعة للطالب لا للنظام الذي صنع كل هذا.

✦ ✦ ✦

١١ آلية التقييم وقتل الجنسين: كل بطريقته

ولعل أشد ما أنتجه هذا النظام هداماً على المستوى الاجتماعي هو طريقته في تدمير الجنسين معاً، لكن كل جنس بآلية مختلفة وبمعاول مصمَّمة خصيصاً لفطرته. فالنظام لا يقتل بأداة واحدة، بل يعرف جيداً أين يضع السكين.

أما عن الرجل، فالمأساة تكمن في ربط قيمته الكاملة برقم مجرد على ورقة. حين تصبح قيمة الإنسان مختصرة في معدّل عددي، تحدث جريمة في حق الذكاء الإنساني قبل أن تكون جريمة في حق الفرد. فالمعدل لا يقيس الذكاء الحقيقي، ولا الكفاءة العملية، ولا القدرة على حل المشكلات في الواقع المعاش؛ يقيس فقط مهارة واحدة هي الاسترجاع تحت الضغط. وقد تحول نظام التقييم — بتصميم واعٍ أو بإهمال جنائي — إلى قياس لـطاعة الطالب للنظام لا لذكائه الفعلي. الامتحانات المبنية على الحفظ والتلقين تُخرج في المراتب الأولى أصحاب الذاكرة الأكثر اتساعاً والأكثر استسلاماً، لا الأكثر فهماً أو إبداعاً. وفي عصر الذكاء الاصطناعي الذي يحفظ كل شيء في ثوانٍ، بات الحفظ أتفه المهارات الإنسانية، فيما يُبقي النظام عليه ركيزةً للتقييم. السبب الحقيقي: الحفظ هو أسهل طريقة لقياس خضوع الطالب، لا عقله.

والنتيجة على الرجل تتجاوز الامتحان بكثير. الشاب الذي لا تُسعفه ذاكرته الاسترجاعية لكنه يمتلك عقلاً تحليلياً خارقاً، أو يداً مهنية بارعة، أو روحاً قيادية، يخرج من المنظومة وهو يحمل وصمة “فاشل” المحفورة في لا وعيه. لقد تعلّم في أكثر سنواته تشكيلاً أن قيمته تتحدد بأرقام لا يتحكم فيها، لا بجوهر ما يحمله. وهذا يُنتج رجلاً هشّ الهوية، عاجزاً عن المخاطرة المحسوبة والإبداع، دائم البحث عن التحقق من الآخرين بدلاً من أن يكون مصدر قيمته من داخله.

عندما ترى شاباً لامعاً يعزف عن الدراسة في نظامنا الحديث، لا تحكم عليه بالكسل، بل احكم على النظام بالفشل. هذا الشاب ليس غبياً، بل هو أذكى من أن يهضم السم.

أما عن المرأة، فالمأساة أعمق وأكثر خفاءً. لقد دخلت الفتاة هذا النظام تحت راية “المساواة”، وخرجت منه وقد استُبدلت فطرتها برمتها. الرسالة التي يبثها النظام المختلط المُبرمَج تحت غطاء النسوية هي: لكي تكوني ذات قيمة، عليك أن تتنافسي مع الرجل بأدواته، في ميدانه، وفق قواعده. وهذا بالضبط هو نقيض المساواة الحقيقية؛ إنه إلغاء للأنوثة لا اعتراف بها. فالمرأة التي تُقضي سنواتها في سباق تنافسي محموم مع الرجل داخل بيئة مختلطة مشحونة، لا تبني قدراتها بل تُعيد تشكيل شخصيتها وفق نموذج ذكوري صنعه النظام. تتعلم أن تُلغي العاطفة، وتحتقر اللين، وتتقن الحدة والصلابة، لأن النظام يُكافئ هذه الصفات ويعاقب ما عداها.

والأثر الأخطر هو ما يحدث للتوازن النفسي للمرأة. فالبيئة التنافسية المزمنة ترفع مستوى الكورتيزول والتستوستيرون لدى الإناث بشكل مزمن، وهو ما يُعطل التناغم الهرموني الفطري الذي يُعبّر عن طبيعتها. الفتاة التي تُمضي خمس سنوات في ضغط لا يتوقف، تحت إضاءة نيون المدرج، في منافسة يومية محتدة، وتفاعل يومي مع الجنس الآخر في بيئة لا حدود واضحة لها — هذه الفتاة لا “تنمو” بل “تتصلب”. وحين تأتي لتبني أسرة، يتكشف أنها تعلمت الهجوم لكنها نسيت السكن، وتعلمت الإنجاز لكنها نسيت الرعاية، لا لنقص فيها بل لأن النظام طمس تلك الطبقة من شخصيتها بالضغط المتواصل وبدعوى أنها “أضعف” مما ينبغي للناجحة أن تكونه.

والمحصلة المجتمعية لهذا التدمير المزدوج فادحة: رجل قيمته منبثقة من رقم لا من جوهره، وامرأة أُعيد تشكيل شخصيتها على نموذج لا يتوافق مع فطرتها. ثم يُطلب من هذين الكائنين أن يلتقيا ويبنيا أسرة ويُنجبا جيلاً. وهكذا يستمر النظام في إنتاج مادته الخام من الأتراس البشرية جيلاً بعد جيل، بينما يدّعي أنه يبني الإنسان.

✦ ✦ ✦

١٢ الغاية الكبرى: استبدال الإله

حين نضع كل هذه الطبقات أمامنا ونتأمل الصورة كاملة، ندرك أن الأمر أعمق من فساد تعليمي أو إهمال حكومي. ما جرى ويجري هو مشروع استعماري متكامل لم ينتهِ يوم رُفعت الرايات وانسحبت الجيوش، بل انتقل إلى طوره الأخطر والأصمت: الاستعمار الداخلي. فالاستعمار الخارجي يغيّر الحدود، أما الاستعمار الداخلي فيغيّر الإله.

لقد عرف الاستعمار أين يزرع بذوره، فزرعها في التعليم. وحين أتمّ التعليمُ عمله في تحويل الأجيال إلى أتراس عاجزة عن الفكر النقدي، عاجزة عن رؤية الخطأ في المنظومة، حين صار الأب والمعلم والمجتمع كلهم أدوات في خدمة النظام لا في صف الفرد — حينها يصبح الترس جاهزاً لمرحلة ثانية: تقبّل القانون ديناً بديلاً. لم يعد يناقش القانون ولم يعد يسأل عن مصدر شرعيته، يعبده كما يعبد العلمُ العلمانيُّ الحقيقةَ المطلقة، وينسى أن ثمة مرجعية أعلى اسمها الوحي.

والحق أن هذا الاستبدال لم يحتج إلى إقناع. لم يقل الاستعمار للمسلم صراحةً: “دينك متخلف وقوانينك بالية.” بل فعل ذلك في صمت تام ودون أي مجهود يُذكر. نسخ منظومته القانونية والتعليمية على بلدان مستعمرة مسلمة لا يتوافق معها هذا النظام في الجوهر ولا في القيم، وأبقاها بعد الرحيل كإرث محمي بالمؤسسات والنخب التي صنعها. فأصبحت توثيق الزواج بالمحكمة والحد الأدنى لسنّ الزواج وكثير من التشريعات المستوردة جزءاً من “الطبيعي” الذي لا يُسأل عنه — وهي في حقيقتها ليست سوى ذروة صغيرة مرئية من جبل جليدي غائر يضرب منظومة الحياة الإسلامية في صميمها.

الشباب اليوم يخرج من آلة الطحن مفتوناً بالغرب، بل يحلم بمغادرة بلاده إليه. دينه القانون، إلهه العلمانية، شيوخه ليس علماء الفقه بل المعالج النفسي، وهويته لا هي غربية ولا هي إسلامية. عزّته لا تكمن في وطنه بل في بلاد مستعمِره.

وهنا تكتمل الدائرة بشكل مرعب. النظام التعليمي ينتج أطباء ومهندسين لا تستطيع الدولة استيعابهم — وهذا ليس فشلاً بل هو جزء من الخطة — فيضطر هؤلاء إلى الهجرة للغرب الذي لم يصرف مليماً واحداً في إنتاجهم، فينتفع بعقولهم وطاقاتهم بعد أن استنزفت بلادهم صحتهم وشبابهم وإيمانهم. أما النجار والحرفي والمنتج المحلي فيقتله النظام لتكتمل الخطة: أمة لا تصنع شيئاً ولا تُعلّم حرفتها لأبنائها، تستورد كل شيء وتُصدِّر بشرها.

وأعظم ما في هذا المشروع من خبث أنه يُشغل ضحاياه بالدفاع عنه. فالطالب الذي طُحن في النظام وخرج ترساً هو أول من يدافع عن هذا النظام ويُهاجم من ينتقده. لأنه لو اعترف بأن النظام ظالم، لاضطر إلى مواجهة حقيقة مؤلمة: أن سنواته التي أُكلت وشبابه الذي نُهب وإيمانه الذي أُضعف — كل ذلك ذهب هباءً في خدمة مشروع لم يكن يوماً في صالحه.

✦ ✦ ✦

١٣ خاتمة: التمرد الفطري ليس عزوفاً

حين نضع كل هذا أمامنا — الاغتصاب الرباعي، وتدمير الجنسين بمعاول مختلفة، وتحويل البيت إلى ثكنة، واستبدال الإله بالقانون، وتصدير الأبناء إلى من استعمر آباءهم — يصبح من العبث الحديث عن “العزوف الدراسي” كما لو كان قصوراً في إرادة الطالب. ما يسمونه “عزوفاً” هو في حقيقته استجابة فطرية سليمة لمحيط مريض. عندما يُعامَل الإنسان كآلة فإن الآلة إما أن تتعطل أو تنفجر. والتعطل هو العزوف والاكتئاب، والانفجار هو التمرد والغضب. وكلاهما ليس مرضاً في الإنسان، بل هو دليل صحة في النفس البشرية تأبى أن تُطحن صامتة.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ ليس: لماذا يعزف الطلاب عن الدراسة؟ بل: كيف لا يزال بعضهم صامداً داخله؟ فمن يصمد في هذا النظام دون أن يفقد روحه أو عقله أو هويته يستحق الإعجاب، لا من تخرج منه بمعدل عالٍ ووجه شاحب وقلب ميت. لأن الامتحان الحقيقي ليس امتحان الورقة، بل امتحان واحد صعب: هل لا تزال إنساناً كاملاً بعد أن أراد النظام أن يجعل منك ترساً؟

ومن يصمد ويحافظ على جذوته حية — على صلاته في وقتها، وعلى لغته في قلبه، وعلى حلمه بأسرة، وعلى نقده للمنظومة حتى وهو يعيش داخلها — فذلك هو التحدي الحقيقي لهذا الاستعمار الصامت. ليس التحدي أن تُصلح النظام من خارجه، بل أن تبقى نفسك داخله. أن تدرس الفرنسية دون أن تنسى صلاة الفجر. أن تحفظ معادلات نيوتن دون أن تنسى أن الله هو من وضعها. أن تخرج من مدرج التحضيري وروحك لا تزال تنبض. فإن فعلت ذلك، فأنت لم تهزم النظام — لكنك رفضت أن يصنع منك ما أراد. وتلك — في زمن الطحن الكبير — انتصار يكفي.