الخط:
مقالة تأملية

العزلة

في الندرة الحسية وشروط الحب الحقيقي

٠١ عزلة من نوع آخر

ليست العزلة التي نتناولها اليوم هي تلك التي تتبادر إلى الأذهان حين تُذكر الكلمة في خطابنا المعاصر؛ ليست عزلة الشاب المنطوي على نفسه في غرفته هرباً من ضجيج العالم، ولا هي الشعور بالوحدة القاتلة التي يبثها أطباء النفس في نشراتهم الدورية كمرض من أمراض العصر. إن العزلة التي نقصدها هنا مختلفة في بنيانها، مختلفة في تفسيرها، ومختلفة تماماً في نتائجها. إنها عزلة من نوع آخر، عزلة كانت تشكل الرحم الخفي الذي تولد فيه أعمق صور التعلق الإنساني، قبل أن يجتاح العالم طوفان الصور والإباحية والاختلاط القسري. إنها العزلة التي صممتها الفطرة لتكون شرطاً لازماً لنشوء ما يمكن تسميته بـ”الحب الحقيقي”، قبل أن يفتح النظام العلماني أبواب الأسواق الحسية على مصراعيها، محولاً العلاقة بين الرجل والمرأة من طقس مقدس إلى مهرجان استهلاكي مفتوح.

حين نتأمل في أعمق طبقات النفس البشرية، نجد أن قدرتها على التعلق العميق والدائم بأي شيء، وخاصة بالطرف الآخر من الجنس البشري، لا تعمل بكفاءة في بيئة مزدحمة بالمثيرات المتشابهة. إن هذه القدرة تحتاج، كشرط فيزيولوجي ونفسي، إلى درجة عالية من “الندرة” و”التركيز”. في غياب هذه الندرة، لا يختفي الحب تماماً بالطبع، لكنه يتحول إلى ذلك الشيء الهش الذي نراه اليوم في ثقافة المواعدة العصرية؛ لقاءات متكررة، تعلقات سريعة، ثم انفصالات باردة. إنه حب لا يتجاوز عمق شاشة الهاتف، حب يعرف منذ اللحظة الأولى أنه “خيار من بين خيارات”، وبالتالي لا يمنح نفسه أبداً بالكامل.

ولعل أقوى دليل على صحة هذا المنحى هو سؤال تأملي محض: ماذا لو وضعنا رجلاً وامرأة في مكان معزول تماماً عن العالم، في سياق حياة هادئة بسيطة لا يعكر صفوها شيء، ولم يكونا قد تشرّبا من قبل بسموم المقارنات الإعلامية ولا بمعايير الجمال المستوردة من هوليوود وصناعة الإباحية؟ هل كان من المحتم أن يقعا في حب بعضهما البعض؟

✦ ✦ ✦

٠٢ العدسة المشوهة والجواب المسروق

إن الإجابة التقليدية على هذا السؤال في الثقافة الغربية المعاصرة ستكون متشككة، بل متهكمة. سيقولون لك: “الأمر يعتمد على الكيمياء”، أو “ربما ينتهي بهما المطاف إلى كره بعضهما من شدة الملل”. إنهم ينظرون إلى المسألة من خلال عدسة مشوهة بالكامل؛ عدسة تشبعت بعقود من الدعاية الإعلامية التي تروج لفكرة أن الحب يجب أن يكون “شرارة” أولية، برقاً يخطف البصر من النظرة الأولى. إنهم يعيشون في عالم من فرط التحفيز، حيث يمتلك الفرد الواحد القدرة على مسح آلاف الوجوه يومياً عبر التطبيقات، وحيث العلاقة الحميمة الجسدية قد تحدث قبل أن يتجاوز الطرفان مرحلة معرفة الاسم الأخير لبعضهما. في هذا العالم المشوه، تحولت “العزلة” إلى سجن يخافونه، بينما هي في حقيقتها الفطرية مختبر مقدس لتوليد التعلق.

✦ ✦ ✦

٠٣ الزواج التقليدي: هندسة الندرة

إن الجوهر الذي نريد أن ننقب عنه هنا هو أن النظام الفطري، نظام ما قبل الحداثة والعلمانية، كان مبنياً على مبدأ العزلة بوعي أو بغير وعي. كان الزواج التقليدي، الذي يسخر منه الليبراليون اليوم ووصفوه بأنه “صفقة تجارية بين العائلات”، قائماً في عمقه على فكرة عبقرية: ضع رجلاً وامرأة في قارب واحد في عرض البحر، وسيجدان طريقة للتعايش والنجاة، والأهم من ذلك، سيتعلقان ببعضهما تعلقاً لا يعرف أحداً سواهما.

في المجتمعات التقليدية، لم يكن الرجل يرى من النساء طوال حياته إلا عدداً محدوداً جداً: أمه، أخواته، قريباته، ثم زوجته. كانت هذه “العزلة البصرية” بمثابة “حظر تجول” للخيال الجنسي والعاطفي. عندما كان ذلك الشاب يذهب إلى بيت الزوجة، لم يكن عقله مزدحماً بأرشيف ضخم من صور النساء العاريات، ولا بذكريات علاقات غرامية سابقة، ولا بمقارنات مع زميلات العمل أو الدراسة. كانت زوجته هي “الأفق الإنساني الوحيد”.

وهنا تحديداً تكمن المعجزة. في غياب البديل، لا “يستسلم” الإنسان للأمر الواقع فحسب، بل يعيد تعريف “الواقع” نفسه. تتحول ملامح تلك الزوجة من مجرد “تفاصيل شكل” إلى “عنوان السكينة”. صوتها يصبح هو المعيار الذي يقاس عليه كل الأصوات. ضحكتها تصبح هي النغمة الوحيدة التي يعرفها. إنها عملية نفسية عميقة لا تقل عن كونها إعادة برمجة كاملة للدماغ على إيقاع شخص واحد.

✦ ✦ ✦

٠٤ الإسلام وهندسة العزلة النافعة

لقد أدرك الإسلام هذا القانون الفطري أعمق إدراك، فجاءت تشريعاته لتصنع هذا النوع من العزلة المصطنعة النافعة. إن النهي عن الاختلاط القسري ليس مجرد “حظر اجتماعي” بدائي كما يصوره أعداء الدين، بل هو هندسة نفسية وروحية من الطراز الأول. إنه خلق لبيئة “ندرة” تسمح للقلب بأن يشتعل لاحقاً في الإطار الوحيد المسموح به. وكذلك الحجاب الشرعي للمرأة؛ إنه ليس قمعاً لأنوثتها، بل هو حماية لـ”ندرة” هذه الأنوثة. إنه يضمن ألا تصبح مفاتن المرأة “سلعة عامة” يتسلى بها كل عابر سبيل، بل تظل “ثروة محصورة” لا يراها إلا من يستحق الدخول إلى حصن الزواج.

وفي قمة هذا البنيان الفطري يقف حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يختصر كل هذه الفلسفة في كلمات قليلة: “ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما”. إن النظرة السطحية لهذا الحديث تراه تحذيراً أخلاقياً من الوقوع في الفاحشة، وهذا حق. لكن النظرة المتعمقة ترى فيه إقراراً ضمنياً بقانون طبيعي جبار: الخلوة، في غياب المشوشات والمقارنات، تولّد تعلقاً. لو خلا رجل بامرأة لوقت كافٍ في سياق غير عدائي، لحدث التعلق، ليس بالضرورة التعلق الرومانسي بصورته المبتذلة، بل التعلق الوجودي العميق الذي يجعل المرء يشعر أن هذا الشخص هو “عالمه”. هذا هو الخطر الذي حذر منه النبي، أو هو الأثر الطبيعي الذي أراد تنظيمه ووضعه في مساره الصحيح بدلاً من أن يكون فوضى.

✦ ✦ ✦

٠٥ حرب العلمانية على قانون الندرة

لكن ماذا فعلت العلمانية الحديثة بهذه المنظومة المحكمة؟ لقد فعلت العكس تماماً. لقد شنت حرباً ضروساً على “العزلة” بكل أشكالها. لقد رفعت شعار “كسر الحواجز”، و”حرية الاختلاط”، و”تمكين المرأة بالعمل والتعليم المختلط”، دون أن تدرك، أو وهي تدرك تماماً، أنها بذلك تكسر “قانون الندرة” الذي يحكم التعلق الإنساني. لقد أغرقت النظام التعليمي وسوق العمل بكم هائل من الاختلاط القسري اليومي. أصبح الشاب يرى يومياً مئات النسوة، متبرجات، كاسيات عاريات، يضحكن، يمشين، يتحدثن. تحولت أنوثة المرأة من “حدث نادر” إلى “ضجيج بصري مستمر”.

ومع هذا التشبع الحسي، ماذا يحدث لقدرة الرجل على التعلق بامرأة واحدة؟ إنها تضمر. يصبح الزواج بالنسبة له ليس “اكتشافاً للقارة الوحيدة”، بل “اختياراً لزهرة من بين ملايين الأزهار في حقل لا نهائي”. وبما أن الاختيار صار مفتوحاً، فإن التردد يصبح هو السمة الغالبة. يتزوج الرجل وهو يشعر في قرارة نفسه أنه “ضحى بكل هذه الخيارات الأخرى”.

ثم يأتي الإعلام وصناعة الترفيه ليزرع في عقله، عبر الدراما الكورية والأفلام الأمريكية، صورة مشوهة عن “الحب”. إنهم يبيعون له “الفراشات”، “الرعشة الأولى”، “نظرة الحب من أول لقاء”، وهي كلها أعراض كيميائية للقلق والغموض في العلاقات غير المضمونة، وليست أبداً أعراض الحب المستقر. الحب المستقر، الحب الحقيقي، هو “السكون” وليس “الرعشة”. هو “الطمأنينة” وليس “القلق”. لكن الصناعة لا تستطيع أن تبيع “السكون” لأنه لا يصنع دراما. وهكذا يتربى الجيل على أن الحب مرادف للألم والترقب، فإذا دخلوا في زواج تقليدي هادئ مستقر، شعروا أن شيئاً ما ينقصهم، أن هذا ليس “حباً” لأن قلوبهم لا تخفق بسرعة كما كانت تخفق في علاقات الجامعة المحرمة. لقد تم تخريب بوصلتهم بالكامل.

✦ ✦ ✦

٠٦ إجهاض القدرة على التعلق الأحادي

ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن ما يحدث اليوم هو عملية إجهاض ممنهجة للقدرة البشرية على التعلق الأحادي العميق. إنها ليست مجرد أزمة قيم أو أخلاق، بل هي أزمة وجودية تعيد تشكيل الدماغ البشري على المستوى العصبي. فالتعرض المستمر لتيار لا ينقطع من المؤثرات البصرية الجديدة والمتنوعة يعيد برمجة نظام المكافأة في الدماغ، ويجعل مستقبلات الدوبامين في حالة بحث دائم عن “الجديد”، عن “التالي”. هذا الدماغ الذي تدرب في بيئة العزلة الفطرية على أن يفرح بالوجود الدائم للشريك، أصبح اليوم مدرباً على ألا يفرح إلا بالمفاجآت.

والزواج، بطبيعته، ليس مفاجآت دائمة. الزواج هو التكرار، هو الوجه نفسه كل صباح، هو الصوت نفسه كل مساء، هو الروتين. وهنا مكمن الخطر: في البيئة الفطرية، كان الروتين يتحول إلى “طمأنينة”، وكان التكرار يتحول إلى “ألفة” و”سكينة”. أما اليوم، فقد تحول الروتين في العقل المستلب إلى “ملل قاتل”، وتحول التكرار إلى “سجن”. لم يعد الشباب قادرين على تحمل “هدوء” الزواج لأن أدمغتهم صممت على إيقاع “صخب” الإباحية والسوشيال ميديا. إنهم يطلبون الطلاق ليس بالضرورة لأنهم يكرهون بعضهم، بل لأنهم أدمنوا جرعات القلق والإثارة التي لا يمكن للزواج الصحي أن يوفرها. إنها المأساة بعينها: جيل كامل تربى على أن الحب “زلزال”، فإذا جاءتهم “السكينة” ظنوا أنها موت.

✦ ✦ ✦

٠٧ العزلة الرقمية: الغزو الداخلي

وهكذا، فإن هذه العلمانية المنتصرة لم تكتفِ بهدم الجدران المادية للعزلة، بل امتدت أياديها الخبيثة لتعيث فساداً في العقول ذاتها، لتعيد تعريف “الخيارات” و”المقارنات” حتى داخل البيوت المغلقة. لقد استبدلوا عزلتنا الفطرية النافعة بـ”عزلة رقمية” مدمرة. فالشاب الذي نأى بنفسه ظاهرياً عن الاختلاط في الشارع أو الجامعة، يجد نفسه عند العودة إلى غرفته محاصراً بوابل من الصور والمشاهد والمؤثرات التي تحمل إليه العالم أجمع على طبق من فضة، أو من رصاص بالأحرى. إنها ليست عزلة، إنها غزو فكري منظم يجتاح آخر معاقل الندرة.

حين يجلس ذلك الشاب ليتأمل في أمر زواجه المستقبلي، لا ينظر إلى الصفحة البيضاء التي تنتظر أن تُكتب عليها قصة حياة كاملة، بل ينظر إلى لوحة إعلانات ضخمة مزدحمة بكل ما يمكن تخيله من أشكال وألوان وأجساد. إنه لا يحلم بـ”زوجة” بقدر ما يقارن بين “موديلات”. وأي “موديل” سيختاره سيكون محكوماً عليه بالفشل المقارن منذ اللحظة الأولى، لأنه سيوضع في ميزان لا يقارن فيه بالواقع المحيط، بل بآلاف الصور المركبة بالفوتوشوب وآلاف القصص الخيالية المكتوبة بعناية في غرف كتاب السيناريو. لقد سلبونا القدرة على “السكون”، لأن السكون يحتاج إلى أن تغمض عينيك عن العالم، أما هم فيريدون عيوننا مفتوحة على الدوام، تتابع إعلاناتهم وتستهلك منتجاتهم.

✦ ✦ ✦

٠٨ مفارقة المجتمع المحافظ والحب الأعمق

والمفارقة الكبرى التي تغيب عن أذهان المنبهرين بالخطاب التحرري الغربي هي أن المجتمعات التقليدية، بما فيها من قيود على الاختلاط ونظام صارم للحجاب، كانت تنتج أفراداً أكثر قدرة على الحب العميق الدائم من المجتمعات المفتوحة جنسياً. إنها ليست دعابة، بل هي نتيجة منطقية للقوانين النفسية التي تحدثنا عنها. في مجتمع الندرة الحسية، يصبح “الاكتشاف” في ليلة الزفاف حدثاً كونياً بكل معنى الكلمة. لا يكتشف الرجل جسداً فحسب، بل يكتشف عالماً بكامله: رائحة لم يشمها من قبل، صوت هامس لم يسمعه إلا من وراء حجاب، لمسة يد كانت محرمة فأضحت حلالاً، كل هذا التفرد يجعل التجربة غامرة لدرجة أنها تحفر في النفس أخاديد لا تمحوها السنين.

أما في مجتمع الإباحة والاختلاط، فإن ليلة الزفاف لا تعدو كونها “تكراراً” لتجارب سابقة متعددة ومتنوعة، مع فارق وحيد: أن هناك ورقة رسمية الآن. وحين يزول عنصر “الاكتشاف”، تزول معه واحدة من أقوى المواد اللاصقة في كيمياء التعلق البشري. يتحول الجنس من كونه “تتويجاً لمسار طويل من الصبر والحرمان” إلى مجرد “بند روتيني في قائمة الالتزامات الزوجية”.

وهكذا نجد أنفسنا أمام النتيجة العبثية: النظام الذي يعد بـ”الحرية الجنسية” هو نفسه من يقتل المتعة الجنسية العميقة داخل إطار الزواج. النظام الذي يعد بـ”الحب الرومانسي” القائم على الاختيار الحر هو نفسه من يجعل ذلك الحب مستحيلاً لأنه يزرع في النفوس وهماً اسمه “الخيار الأفضل القادم”.

✦ ✦ ✦

٠٩ الهجوم على الحجاب: هجوم على قانون الندرة

وعندما ننظر إلى هذه الصورة المركبة، ندرك أن الهجوم على الحجاب والاختلاط لم يكن مجرد هجوم على قطعة قماش أو على عادة اجتماعية، بل كان هجوماً على آخر حصون “الندرة الحسية” التي تحمي الإنسان من التشتت العاطفي. لقد أرادوا للمرأة أن تكون “مكشوفة” لا لتحررها، بل ليجعلوا من أنوثتها سلعة استهلاكية دائمة الحضور، تساهم في تعطيل قدرة الرجل على التعلق الأحادي، وبالتالي تحويله إلى مستهلك أبدي في سوق الجنس والعاطفة.

إن الرجل الذي لا يستطيع أن “يسكن” إلى امرأة واحدة هو رجل سيظل يبحث، وسيظل في حالة احتياج دائم، وهذا الاحتياج هو السوق الأكبر. إنهم يبيعون له الإباحية ليملأ فراغ وحدته المدمرة، ويبيعون له أدوية الاكتئاب ليعالج آثار الإباحية، ويبيعون له جلسات العلاج النفسي ليعالج آثار الطلاق، ويبيعون له تذاكر السفر ليهرب من وحشته. إنها دائرة اقتصادية محكمة لا يمكن أن تستمر إلا إذا ظل “السكون” مستحيلاً. ولذلك، فإن دعوة الإسلام إلى “غض البصر” و”الحجاب” و”عدم الخلوة” ليست مجرد تعاليم أخلاقية، بل هي دعوة إلى استعادة “الندرة الحسية” التي تجعل من الزواج جنة حقيقية، وتجعل من “السكون” إليها ممكناً في زمن الضجيج.

✦ ✦ ✦

١٠ السكون في القرآن والجريمتان

وكأننا نقف على حافة هاوية سحيقة كلما حاولنا أن نستجمع شتات هذه الصورة. إن الحديث عن العزلة بوصفها شرطاً للارتباط العميق لا يكتمل إلا بالعودة إلى النص المؤسس الأول لهذه الرؤية:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

لقد ظل المفسرون والباحثون يقفون طويلاً عند لفظة “لتسكنوا إليها” لما تحمله من دلالات بالغة الثراء. إن القرآن لم يقل “لتستمتعوا بها” على الرغم من أن الاستمتاع حق ومشروع، ولم يقل “لتنجبوا منها” على الرغم من أن الإنجاب مقصد عظيم. بل قال “لتسكنوا إليها”. السكون هو غياب الحركة، هو انتهاء الاضطراب، هو بلوغ حالة الطمأنينة التي تهدأ عندها الجوارح وتسكن فيها الخواطر. ولا يمكن أن يحدث هذا السكون في قلب وعقل مشغول بغيرهما.

ولا يمكن للقلب أن يسكن إلى زوجته وهو لا يزال يتلفت يمنة ويسرة، يبحث في ذاكرته البصرية المشبعة عن صور أخرى، أو يقارن ما لديه بما يراه كل يوم في الشارع أو على الشاشات. إن السكون فعل وجودي يحتاج إلى فراغ من المشوشات، يحتاج إلى تلك العزلة التي نتحدث عنها. وحين تتأمل قوله “وجعل بينكم مودة ورحمة”، تكتشف أن “المودة” هي ثمرة ذلك السكون، و”الرحمة” هي الغطاء الذي يغطي عيوب الواقع حين يصطدم بالخيال. فحين يغيب الخيال المزروع إعلامياً، يصبح الواقع هو كل ما نملك، وتصبح الرحمة بهذا الواقع وبشريكه واجبة وطبيعية.

وحين نقلّب هذه الصورة في ضوء أشد قسوة، يتبيّن لنا أن ما اقترفه النظام العلماني لم يكن جريمة واحدة، بل جريمتان متمايزتان. الجريمة الأولى هي جريمة الاختلاس؛ لقد اختلس النظام العلماني من الإنسان المعاصر حقه في “العزلة” التي تؤهله للحب. لقد سلب الفتى والفتاة تلك الفترة العمرية الحرجة التي كان ينبغي أن يقضياها في صيانة القلب وغض البصر، حتى يدخرا طاقتهما العاطفية الأولى لتلك اللحظة الفارقة في حياتهما. وحين تأتي لحظة الزواج الحقيقي، يكون الرصيد العاطفي قد استنزف بالكامل. لقد تحول الزواج من كونه “وليمة كبرى” ينتظرها الصائمون طويلاً، إلى “وجبة عادية” يتناولها من أتخم من تناول الوجبات السريعة طوال النهار.

أما الجريمة الثانية فهي جريمة التشويه. فحتى بعد الزواج، لا يترك النظام العلماني الزوجين في حالهما. تظل صور النساء الجميلات تنهال على عين الزوج عبر الإعلانات والمسلسلات ومواقع التواصل. وتظل قصص “الحب” المستحيلة تنهال على عقل الزوجة عبر الروايات والدراما. فيتحول كل طرف إلى أسير لمقارنة مستمرة وغير واعية. إنهما يعيشان معاً، لكنهما ليسا “سكناً” لبعضهما، لأن هناك ضيفاً ثالثاً غير مرئي حاضر دائماً بينهما: ضيف الخيال المزروع. وهكذا، تتحول البيوت من “مساكن” إلى “فنادق”، يلتقي فيها شخصان غريبان أنهكهما الإرهاق، فيتبادلان أطراف الحديث عن الفواتير والأولاد، ثم ينام كل منهما في طرفه من السرير كجزيرة منعزلة.

✦ ✦ ✦

١١ الناجون والمقاومة السرية

وفي خضم هذا التشريح القاتم، قد يتسلل إلى النفس سؤال اعتراضي: لكن أليس هناك من الأزواج في هذا الزمن من يعيش حباً عميقاً وسكينة حقيقية؟ بلى، يوجد. ولكن ما هي قصة هؤلاء الناجين؟ إنهم، بوعي منهم أو بغير وعي، استطاعوا أن يخلقوا لأنفسهم “عزلة مصطنعة” داخل هذا العالم الصاخب. ربما كانوا من المحافظين على صلواتهم وأذكارهم التي تحيط القلب بسياج من النور. ربما كانوا ممن قطعوا علاقتهم بالتلفزيون والإعلام الهابط في بيوتهم. ربما كانوا ممن حرصوا على غض البصر في خروجهم، وملأوا أوقات فراغهم بما ينفع من علم أو رياضة أو عبادة.

هؤلاء هم الذين مارسوا “فقه المقاومة”. لقد فهموا أن الحفاظ على “السكن” الزوجي ليس مجرد مسألة تفاهم بين طرفين، بل هو مشروع جهادي يومي لحماية هذا السكن من غارات العالم الخارجي. إنهم يغلقون أبواب غرفهم على أنفسهم ليس انطواءً، بل تحصيناً. يقللون من الخروج إلى الأسواق والمولات المختلطة ليس خوفاً من الناس، بل حفاظاً على “ندرة” أنظارهم. إنهم يدركون أن “الحب” ليس مجرد شعور يحدث، بل هو “نظام بيئي” يجب أن تتم حمايته من التلوث.

✦ ✦ ✦

١٢ استعادة العزلة

لقد آن لنا أن نستعيد مفهوم “العزلة” كقيمة عليا في بناء العلاقات الإنسانية العميقة، وليس كمرض اجتماعي. إن الإسلام، حين أمر بغض البصر وحرم الخلوة والاختلاط، لم يكن يعزل الفرد عن المجتمع، بل كان يعزل “الرابطة الزوجية” عن التآكل. كان يصنع غشاءً واقياً حول الأسرة لتظل الخلية الأولى للمجتمع قوية ومتماسكة.

إن المأساة الحقيقية ليست في أننا فقدنا القدرة على الحب، بل في أننا فقدنا “شروط” الحب. لقد دمرنا البيئة التي يمكن أن ينمو فيها، كما ندمر الغابات ثم نتساءل أين ذهبت الطيور. إن الطيور لم تمت، لقد هاجرت لأن موطنها الطبيعي تم تدميره. وكذلك الحب الحقيقي، لم يمت، لكنه أصبح نادراً كلما زادت كثافة المحفزات البصرية والعاطفية من حولنا.

✦ ✦ ✦

١٣ خاتمة: الجواب الذي نسيناه

فلنعد الآن إلى السؤال الذي فتحنا به هذه المقالة: ماذا لو وضعنا رجلاً وامرأة في مكان معزول تماماً عن العالم، في سياق حياة هادئة بسيطة، ولم يكونا قد تشرّبا بسموم المقارنات الإعلامية ولا بمعايير الجمال المصطنعة؟ هل كان من المحتم أن يقعا في حب بعضهما؟

الجواب هو نعم. وليس نعم عاطفية سطحية، بل نعم تقف خلفها بيولوجيا الدماغ وفطرة النفس وحكمة التشريع معاً. لكن ليس ذلك “الحب” الذي تبيعه هوليوود — شرارةً مباغتة وقلباً خافقاً. بل شيء أرسخ وأبقى وأصدق: تعلق لا يولد من الإثارة، بل من الحضور. من القرب اليومي. من المواجهة المشتركة لحياة واحدة. ومن غياب البديل الذي يجعل الواقع كافياً، بل يجعله كل شيء.

وهذا بالضبط ما عناه القرآن حين لم يقل “لتستمتعوا بها” ولم يقل “لتنجبوا منها”، بل قال: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. السكون لا يُولد في قلب مشتت، ولا يعيش في نفس مسكونة بالمقارنة. إنه ثمرة الندرة، وليس ثمرة الوفرة.

لقد كُذب علينا حين أُقنعنا أن الحب لا بد أن يكون فوضى مبهجة عمياء. لآلاف السنين فُهم الحب على أنه عهد يُبنى على القرب. الإسلام لم يُعرّف الزواج بالرومانسية، بل عرّفه بالسكون. وحين يبدأ الزوجان في بيئة نقية خالية من تلوث المقارنات والصور والأرشيف الذهني المسموم، تنطلق هذه الآلية الفطرية وحدها. لا تحتاج إلى سيناريو. لا تحتاج إلى درامية. لأن الفطرة عارفة بطريقها متى أُتيح لها أن تسلكه.

وهذا هو ما دمّره النظام الحديث حين فتح الأبواب كلها على مصراعيها وأدمن الجيل على الضجيج. لم يمت الحب. لكنه يحتاج إلى ما احتاج إليه دائماً: عزلة تجعله وحيداً أمام الآخر فلا يرى سواه. شرط واحد، لكنه بات نادراً كالذهب في عالم يبيع كل شيء.